أبي منصور الماتريدي
488
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ونهيه ، وقالوا : نجعل ذلك اليوم السبت ؛ لأنه لم يخلق لعمل . فحرم الاصطياد في ذلك اليوم لذلك وحولوا قردة ؛ عقوبة لهم لما نهوا عن الاصطياد في ذلك اليوم فاصطادوا . وعلى ذلك تأويل قوله : إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [ النحل : 124 ] يعنى : يوم الجمعة . وقيل : اخْتَلَفُوا فِيهِ * ، يعنى : في الله . ثم اختلف في قوله : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ : قال قوم « 1 » : قوله : كُونُوا قِرَدَةً من الأصل ؛ على ذهاب الإنسانية منهم . وقيل « 2 » : حوّل جوهرهم إلى جوهر القردة ، على إبقاء الإنسانية فيهم ؛ من الفهم والعقل ؛ لأنه قيل : إن الذين كانوا ينهونهم عن الاصطياد في ذلك اليوم دخلوا عليهم ، فيقولون لهم : ألم ننهكم عن ذلك ، ونزجركم ؟ ! فأومئوا : أي نعم . ودموعهم تفيض على خدودهم . فلو كان التحويل على ذهاب جميع الإنسانية منهم لكانوا لا يفهمون ذلك ، ولا حزنوا على ما أصابهم ؛ لأن كلّ ذي جوهر راض بجوهره الذي خلقه الله سبحانه يسرّ به . ولأن تحويله إياهم قردة عقوبة لتمردهم في التكذيب ، وجرأتهم على الله ؛ ليعلموا ذلك ، ويروا أنفسهم أقبح خلق الله وأوخشه . وفيه نقض قول المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : ليس في خلق الله قبيح . فلو لم يكن في خلق الله قبيح لم يكن لتحويل صورتهم من صورة الإنسان ، إلى أقبح صورة معنى ؛ ليروا قبح أنفسهم ؛ عقوبة لهم بما عصوا أمر الله ، ودخلوا في نهيه . وقوله : فَجَعَلْناها نَكالًا . قيل « 3 » : الهاء راجعة إلى القرية التي كانوا فيها . وقوله : لِما بَيْنَ يَدَيْها . من أهل القرية . وقوله : وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ . حواليها . وقيل : أراد بالهاء : القرية ، لِما بَيْنَ يَدَيْها من القرى ، وَما خَلْفَها من القرى .
--> ( 1 ) هذا قول ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه بنحوه ( 1139 ، 1140 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 147 ) . ( 2 ) هذا قول مجاهد ، أخرجه ابن جرير عنه بنحوه ( 1144 ، 1145 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 147 ) . ( 3 ) قاله ابن جرير في تفسيره ( 1 / 375 ) .